أكد السفير عزت سعد، رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُصاغ من طرف واحد، مشددًا على أن قضايا التكنولوجيا والتنمية والحوكمة أصبحت قضايا عالمية تتطلب حوارًا واسعًا ومتوازنًا.
وقال السفير عزت سعد، خلال مشاركته في منتدى تحديث دول الجنوب العالمي 2026، إن هذا المسار يتطلب أيضًا التدريب، وتحسين إدارة الموارد العامة، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز قدرة الحكومات على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.
وأضاف أن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي ليست تلقائية، ولا تتحقق بمجرد استيراد المعدات أو التطبيقات، وإنما تتطلب منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية الرقمية، والبيانات الموثوقة، والمهارات البشرية، والقدرة على البحث والابتكار، والأطر القانونية والمؤسسية، فضلًا عن توفير التمويل المستدام.
وتابع: “من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت دول الجنوب ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل أي نموذج من الذكاء الاصطناعي نريد، ولأي غايات، ومن يملك أدواته وبياناته، وكيف نضمن أن تعود فوائده على المجتمعات كافة”.
وأشار إلى أن التحدي الأول يتمثل في تجنب اتساع الفجوة الرقمية والتكنولوجية بين الدول والمجتمعات، محذرًا من أنه إذا تركزت قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في عدد محدود من الدول والشركات، فقد تتحول التكنولوجيا من أداة للتنمية إلى مصدر جديد للتبعية.
وأكد أن دول الجنوب بحاجة إلى الانتقال من موقع المستخدم النهائي للتكنولوجيا إلى موقع الشريك في إنتاجها وتكييفها وتوجيهها، موضحًا أن ذلك يتطلب الاستثمار في الجامعات ومراكز البحوث، وتطوير الكفاءات المحلية، وبناء قواعد بيانات وطنية وإقليمية، وإتاحة القدرات بصورة عادلة وميسورة، مع احترام الخصوصية والسيادة الرقمية.
وشدد السفير عزت سعد على أن الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يُقاس فقط بعوائده التجارية، موضحًا أن نجاحه في دول الجنوب يجب أن يُقاس أيضًا بقدرته على تحسين حياة الناس، وخفض تكلفة الخدمات، وتوسيع فرص العمل، والحد من عدم المساواة، ودعم أهداف التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، أكد أهمية أن تكون الحلول التكنولوجية ملائمة للواقع المحلي، وأن تراعي اللغات والثقافات والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بكل مجتمع.
وقال إنه لا يمكن اختزال التحديث في استيراد نماذج جاهزة، أو افتراض أن الحلول التي تنجح في بيئة معينة تصلح بالضرورة لبيئات أخرى، مشيرًا إلى أن الأستاذ الذي تحدث قبله تناول هذه النقطة بشكل واضح في مداخلته.
وأوضح أن التعاون بين دول الجنوب يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في مواجهة هذه التحديات، مشيرًا إلى أن دول الجنوب تتقاسم، في كثير من الحالات، تحديات متشابهة، من بينها محدودية الموارد، والفجوات في البنية التحتية، والحاجة إلى تدريب الكوادر، وتوسيع نطاق الخدمات العامة، وتحقيق نمو أكثر شمولًا.
وأضاف أن التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشمل تبادل الخبرات، وإنشاء مراكز بحث وابتكار مشتركة، وبناء برامج مشتركة للتدريب، وغيرها من مجالات التعاون.
وأكد أن للصين دورًا كبيرًا في هذا الشأن، موضحًا أن الشراكة بين الصين ودول الجنوب العالمي تكتسب أهمية خاصة، في ظل تحول الصين إلى طرف رئيسي في النقاشات الدولية حول التنمية الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب امتلاكها خبرات واسعة في البنية التحتية الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والمدن الذكية، والتصنيع المتقدم، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة.
وأشار إلى أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة تتمثل في إمكانية الجمع بين الخبرة الصينية الواسعة واحتياجات دول الجنوب وأولوياتها الوطنية.
ومن المنظور المصري، قال السفير عزت سعد إن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة مهمة لتعزيز التعاون العربي والأفريقي، موضحًا أن مصر تمتلك قاعدة بشرية وعلمية مهمة، وموقعًا يربط بين العالم العربي وأفريقيا وآسيا.
وأضاف أن مصر، شأنها في ذلك شأن العديد من دول الجنوب، تواجه تحديات مشتركة في مجالات التعليم والصحة والزراعة والطاقة وإدارة الموارد، مشيرًا إلى حاجة المنطقة العربية والقارة الأفريقية إلى تعزيز التعاون في تطوير المهارات الرقمية، وإنتاج المحتوى باللغة العربية واللغات الأفريقية، وتحسين جودة البيانات، ودعم الشركات الناشئة، وربط الجامعات ومراكز البحث بمؤسسات الإنتاج وصنع القرار.
وأكد السفير عزت سعد أنه لا يمكن مناقشة مستقبل الذكاء الاصطناعي دون التوقف عند قضية الحوكمة، موضحًا أنه كلما توسع استخدام هذه التقنيات ازدادت الحاجة إلى قواعد تحمي الخصوصية، وتمنع التمييز، وتضمن المساءلة، وتحافظ على حقوق الإنسان، وتمنع إساءة استخدام الأنظمة الذكية.
وشدد على أن دول الجنوب تحتاج إلى المشاركة الفاعلة في صياغة القواعد الدولية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وألا تكتفي بتلقي المعايير التي يضعها الآخرون.
وأوضح أن من الضروري أن تكون الحوكمة الدولية شاملة، وأن تراعي اختلاف مستويات التنمية، وألا تفرض أعباء تنظيمية أو مالية لا تستطيع الدول النامية تحملها.
وفي ختام كلمته، أكد السفير عزت سعد أن تحديث دول الجنوب في عصر الذكاء الاصطناعي لن يتحقق من خلال التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال رؤية تنموية متكاملة تضع الإنسان في مركزها، وتربط الابتكار بالعدالة، والرقمنة بالسيادة، والنمو بالاستدامة، والتقدم العلمي بالتعاون الدولي.
ووجه السفير عزت سعد الشكر إلى الصين على ما تقدمه لدول الجنوب العالمي، من خلال ما تمتلكه من أدوات مالية وجيو-اقتصادية وتقنية وتجارية ومؤسسية، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، والقروض والإنفاذ المالي، والاستثمارات، إلى جانب منصات التعاون الصيني العربي والصيني الأفريقي، ومبادرة التنمية العالمية، ومجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون بوصفهما منصتين تمثلان دول الجنوب العالمي.
وأعرب عن أمله في أن تسهم مناقشات المنتدى في بلورة أفكار وشراكات قابلة للتنفيذ، وأن تفتح آفاقًا جديدة أمام التعاون بين الصين ومصر ودول الجنوب العالمي، من أجل تحديث أكثر عدلًا، وتنمية أكثر شمولًا، ومستقبل أفضل للأجيال القادمة.
اترك تعليق